“جيوفوبيا” ضياء الحمصي : عرض مستمر … لاختناق المكان والناس

كيف يمكن لك أن توّثق الاختناق، أن تستدعي كل تلك الجثث، أن تستحضرغباراً ذرياً يفح مثل أفعى، ويقبض بفكيه مثل عدم. الموسيقا الصفراء التي تنزّ مثل لدغة، الجسد الذي يتشنج مثل شهيق يتخامد.

هكذا يختزل راقص الفلامنكو السوري “ضياء الحمصي” مدن سوريا المنكوبة في حربها الأخيرة تلك، ولينعي في نهاية عرض مسرحي موسيقي راقص مدينته وعاصمة البداية، دمشق.

يوثق ضياء بالرقص والإيماء والشعر والموسيقا كل المدن التي مرّت المجزرة، يحكي الناس والأطفال، يحكي الموت والطاغية، يستثمر المكان و يوظفه لصالح الفكرة مُدمجاً الجمهور في عرضه، مرغِماً إيّاه على اللهاث معه، الصعود والهبوط وأيضاً الخروج من تحت أنقاض الانسان الذي تهدّم تحت وطأة قصف أعمى، وقنابل تحاول محوه دون طائل بطبشورها الأبيض.

العرض كان في السويد في مدينة “نورشوبنغ” والذي استضافته الفنانة “سحر برهان” في غاليري “كاميليونت” للفن، مكانها القابع على تقاطع شارع فرعي بالقرب من ضفة نهر، والجمهور هو خليط بين سويديين وعرب، لاجئين جُدد وقدامى.

والموضوع صفارات إنذار وفوبيا، أو “جيوفوبيا” تحديداً حين تستخدم تطبيق “ايرث”  لتبحث بفراستك عن خط القتل الذي حدث.

إذاً العمل مستوحىً من التهجير الجماعي والقسري للبشر، وهو ما حدث في الماضي  للكثير من الجماعات البشرية والشعوب وما يحدث الآن في سوريا كما أشار ضياء في بداية عرضه.

عن الرقص وشغف التجربة والتعلق وكل تلك الرحلة الطويلة، كان لنا لقاء مع الراقص ضياء الحمصي.

البداية (يقول ضياء) كانت في مدخل بناية معتمة في مدينة دمشق، وفي سن الرابعة عشرة تحديداً، ومع أول خطوة للرقص (البريك دانس) مع صديق، ومن ثم الانخطاف الكامل تجاه الجسد وإيقاعاته حيث تتبع ضياء المرء خط حدسه وشغفه، مارس ضياء كل أنواع الرياضات ومنها الجودو، السباحة، القفز، الجري، ومن ثم درس في جامعة دمشق قسم الأدب الانكليزي، ثم أصبح راقصاً في فرقة “إنانا” السورية لسنوات ثلاث، إلى أن التقى الفلامنكو في عرض خاطف على مسرح كلية الفنون الجميلة حيث لمعت فكرة الاحتراف في رأسه وبدأت بالتشكل، ومن ثم المغادرة إلى بيروت والعمل مع “كركلا ” الفرقة الأشهر في الشرق الأوسط ولمدة ثلاث سنوات والتي فتحت له نوافذ على العالم معرفةً، وتقنيةً، وأفقاً، مغايراً وثرياً. المحطة التالية كانت إسبانيا حيث درس في مدريد وأشبيليا وليصبح بعد أقل من أربع سنوات مُعيداً في ذات المدرسة التي تلقى فيها خطواته الاحترافية في عالم الفلامنكو، وعلى أيدي أهله.

هنا في “نورشوبينغ ” كانت المحطة الأخيرة في عرض مثير للأهمية ومختلف حقاً.

  • مرحباً ضياء وكالعادة كما هو بديهي، كيف ولدت الفكرة لديك والتي أطلقت عيها اسم ” جيوفوبيا ” والتي قدمتها هنا في عرضك الأول هذا ، وكيف نحتْتَ هذه التسمية؟ وما الذي أردت أن تقوله فعلاً في عملك هذا؟

التسمية أتت من موضوع الفكرة ذاتها التي كنت أبحث وبنيت عليها العمل، لم أشعر بالمعاناة حين فكرت، وقد أتى الاسم وببساطة من خلال الحدث نفسه وأقصد ما له علاقة بجغرافيا المكان، وهو الشقّ الأول منها “جيو”. والفوبيا هي الخوف وهي تطابق الحالة النفسية المرتبطة بتلك اللحظة المرعبة.

العرض يتحدث عن التغييرات الديموغرافية التي حدثت في سوريا والتي كانت قسرية ودون إرادة الناس، و رصد هذا النوع من التهجير الذي يرتبط بالجغرافيا والمجتمع، فأنا عملياً لم أبحث عن الاسم هو أتى لوحده، وعكسته بالعمل.

  • المعادل لهذا العمل كان أدائك الحركي الراقص مع ذكر أماكن محددة، لماذا تلك المناطق بالتحديد؟ وماهو الحيّز الذي تشغله تلك الأماكن في ذاكرتك، وما الذي تركَته فيك من أثر؟

إذا كان السؤال عن سبب ذكرها فهو بشكل بسيط تتبع للخطة “العلنية” التي رسمها النظام وحلفاؤه في سوريا، وهي إعادة تفريغ أو توزيع جموع البشر ، ونقلهم من أمكنتهم الأصلية، والسؤال أين ابتدأت المشكلة؟ وإلى أين كان مآلها؟ رغم أنه من الصعب أن يلم المرء بكل ما حدث، لأن حجم المشكلة هائل ويتطلب عملاً كبيراً.

  • كأنك كنت تتبع التهجير ولم تتبع طريق المجازر؟ لأنه ثمة مجازر حدثت، وكانت تُرتكب طوال الوقت؟

المجازر كانت جزءً من الخطة، وكان هنالك وسائل كثيرة لهذا التهجير. ففي أماكن اقتصرت على التخويف، وفي بعضها الآخر ضُربت بأسلحة عادية، ومن ثم بأسلحة كيماوية والناس بطبيعة الحال كانت تشعر بالذعر فتخاف وتقبل أية حلول أو طريقة للهرب، كان الهدف النهائي هو تفريغ المكان، وتغيير الديموغرافيا.

  • كلنا يعرف أن رقص “الفلامنكو” يشتغل على ثيمات محددة مثل التعبير عن الحزن أو نقيضه، أنت كيف استثمرت هذه الثيمات لتولد فكرة جديدة وبعيدة كل البعد عن النمط التقليدي لهذا الفن؟

بما أن الفكرة تتحدث عن وجع ما، على بقعة معينة على هذه الأرض فطبيعي أن لا تُبنى الفكرة على مقام فرح، ولذلك فقد بحثت واخترت مقامات أخرى وأنواع “رتم” تلك الموجودة في الفلامنكو والتي تساعد الفكرة. الفكرة التي تتحدث عن الموت وعن الحزن أكثر. وأكثر مقام يلبّي هذا النوع من التعبير هو ” السيغيرييّاس” Seguiriyas فنحن وبمجرد أن نسمع “السيغيرييّاس” كما هو على الغيتار وبدون أن نفهم كلمات الأغنية تأخذنا الموسيقا إلى عالم الحزن مع طريقة أداء المغني فتشعركمتلقٍ أن هنالك ما يعنيك ويضعك بالتالي بالجو المطلوب. المقام الثاني الذي استخدمته هو “السُولِيا ” Soleá أيضاً هذا المقام له علاقة بالجدية والصرامة، إنه مقام لا يحتمل المزاح ولا الفرح. نحن هنا نختار المقام بالدرجة الأولى والمقام لوحده هو من يقودنا إلى الحالة.

  • كانت هنالك بالإضافة لحركات الجسد كثيمة مساحة الحركة، المكان الذي وقع عليه الاختيار للعرض، الإضاءة، والصوت وكلها كانت من اختياراتك. أنت المخرج، وكاتب السيناريو، والتقني. لنتحدث عن تلك المؤثرات التي استخدمتها في عرضك المسرحي الراقص ذاك؟

طبعاً ليس عن رغبة شخصية كنت أفعل كل شيء، ولكن خلال وقت قصير كان من الصعب ايجاد الأشخاص المناسبين لتنفيذ الفكرة، وبما أن الفكرة خاصة للغاية بالنسبة لي وتلامستني شخصياً كل ذلك كان يتطلب مني تلك المعايشة الخاصة، وأي أحد خارج هذا الموضوع سيكون بعيداً عنه بعض الشيء ولذلك فضلت أن أقود العمل برمته ليكون أكثر مصداقية وتحت السيطرة.

الموسيقا المستخدمة هي لعازف بولوني اسمه كشيشتوف بينديريتسكي (Krzysztof Penderecki) وتنتمي تلك الموسيقا إلى ما يطلق عليه موسيقا “الضوضاء” عزفها ذاك العازف الشهير بعد قصف مدينة “هيروشيما” بالقنبلة النووية، واستخدمتها كقاعدة كي أستطيع أن أمشي عليها، ومع استخدام بعض البرامج الالكترونية أنجزت إيقاعات محددة، وعملت “ترك” كامل ومسار موسيقي محدد مع الشاشة التلفزيونية التي كانت بالخلفية، والتي كانت تعرض ذات الكارثة بتسلسل زمني بكل أنحاء العالم وأقصد ” التهجير” ابتداءاً من الهنود الحمر مروراً بأكثر من بلد. ولكن نوّهت ببداية العرض أن هذا الجزء الذي ننوي تسليط الضوء عليه هنا يخص سوريا .

الشعر كان حاضراً وموجوداً وهو لمحمود درويش ، و”لجيرتورد شتاين”. وكانت تلك أول تجربة لي من هذا النوع، أي أن أحاول أن أرقص الكلام، ثمة تواصل حسّي بيني وبين النص الشعري والذي كان قائماً مع كلمات درويش المستخدمة في العرض من نص “لاعب النرد” حيث نجد فيه مجموعة أفعال تقول ” الكائن” بصفة محددة ونبرة خاصة تشعر وقعها عليك بشكل مدوٍ و رهيب، وهنا أحسست أنه يجب عليّ أن أرقص بلا نهاية. كل فعلٍ يستدعي، وكل تعبيرٍ يستوجب، إلى أن أصل إلى ما أريد.

  • أيضاً كان هنالك حضوراً مفصلياً لمؤثرات أخرى مثل الغبار الأبيض الذي نثرته كما لو كان فحيحاً، أو كأنه غبار ذري يوّلد دوامات هذيانيّة، كان استخداماً موفقاً جداً وغير متوقعاً، كيف خطر لك؟

بصراحة هو ذاته الغبار الجصيّ الذي يفعله أيّ دمار، لقد شاهدت عدة صور لعدة أشخاص خرجوا من تحت الدمار بذات الشكل الرهيب، هنا لا يعود للجمال أي معنى، ولا الاهتمام الشخصي له أي دلالة إذ أنّ كل شيء كان مشوهاً إلى ذاك الشكل الشبحي المرعب.

  •  استخدمت القناع المطاطي الواقي الذي يستخدم عادة في حال أي هجوم كيماوي أو ذري، مع تقلصات للجسد وارتجاف الأطراف، وهنا يستحضرني سؤال، كم مرة يمكنك أن تعيد عرضاً مُجهداً ومُنهكاً إلى هذا الحد؟

إنه ليس عرضاً مريحاً على كل حال، وتعبه النفسيّ أشد وطأةً من الجسديّ. ثمة ما هو أشد من مسألة أن تقوم بالعمل الفيزيائي، أنت هنا تقول كل الصراخ والخوف والرعب والشعور بهذا الهول كاملاً والخذلان. من جهة أخرى وكما هو معروف جسد الراقص مطواع لأنه يتدرب طوال الوقت، ولكن ثمة ماهو أبعد دائماً وهو البحث عن الموضوع وبنائه وتنفيذه وهي المهمة الأصعب كما وجدت.

  • إلغاء المنصة المرتفعة لتقديم العرض هل كان مقصوداً في عملك؟ كنا نشعر أن الجمهور ضمن المشهد وداخل فيه، هل كان ذلك متعمداً ؟

بنيت الفكرة بالأساس كي يكون “الستيج” على الأرض، وأنا جداً أتأسف لمضايقة الناس، فقد أسرّ لي أحدهم أنه تضايق كثيراً، إنه بالنهاية ليس عرضاً جمالياً بالمرة. موضوع البودرة التي تصل إلى الجمهور في الصف الأول على الأقل، وتتساقط أحياناً فوقه كنت أقصد به أن أجرّه إلى داخل الحدث، أي أن أقول له أنه معي في ذات المركب، وأنه موجود، ولابأس أن يسقط بعض الخوف والفزع على جاكيته الأنيق ذاك. بالنهاية هذه الملامسة تعني الكثير لي، لم يعد أحد منا حيادياً بعد هذه التجربة وقسوة وبربرية هذا الفعل .

  • هل هذه الابتكارات والتقنيات والاجتهاد على صعيد الحركة هو بالنهاية مسرَحَة لرقص الفلامنكو وتوظيفه كي يقول، ولصالح فكرة قد تكون على حساب الجمالي أو التقليدي لهذا الفن العريق؟

أختار التوظيف. أنا لا أعرف في هذا العمل إن كنت أرقص الفلامنكو الاعتيادي، وهو بالأصل فن يصعب تعريفه إذ يراه الناس كل من وجهة نظره.أنا أقوم بأداء راقص يستخدم تقنية الفلامنكو ويستفيد من الموروث الخاص بي كعربي وسوري وخصوصاً فيما يخصّ حركات الجسد إذ كانت الدبكة حاضرة، والموسيقا والإيقاع والصوت الشرقي كذلك.

جزء من الفكرة والتجربة كان عفوياً وهي المرة الأولى التي أحاول فيها ترجمة فكرة واقعية بالرقص، وهي ليست دراما، ولا خيال، ولا أسطورة، ومازالت “كفعل فيزيائي” تحدث إذ لم تنته الحرب بعد، وكان عليّ أن أترجمها بالجسد.. كل الجسد. بداية كان الأمر صعباً وأجريت تجارب كثيرة وكان أول شيء بنيت عليه، هو آخر لحظة في المشهد ،أي الكيماوي على دمشق، كانت تلك أكثر فكرة رغبت بالتعبير عنها ومنها تداعت الحركات والأفكار، وهي أخذت الجهد الأكبر لبناء كل ذلك المشهد العام.

السؤال الأخير هو عن ردّة فعل المجتمع والعائلة على نوعية وخصوصية عملك واهتمامك كراقص، أنت بالأخير من مدينة محافظة نسبياً رغم كونها عاصمة، هل واجهت صعوبات أو معوقات أو رفض؟

أنا شخصياً لم أُعاني (يضحك) هم الذين كانوا يعانون على مايبدو، وأقصد كل من رفضني، أو تحفظ على عملي. كان طريقي واضحاً ولذلك لم ألمح من كان حولي وكان يعترض، ولم تكن تصلني انطباعاته إلا بشكل لطيف كون أمّي مثلاً، والمقربين كانوا حذرين حين يحدثونني عن تلك الملاحظات كي لا يجرحوني.

أبي كان يقدمني للناس على أساس أنني خريج أدب انكليزي كي يتجنب مهنتي كراقص، وكنت أتفهمه.

الرقص فن غير معروف أو مُعترف به تماماً في مجتمعاتنا، آمل أن يصير كذلك، وخصوصاً في سوريا التي نطمح إليها مستقبلاً، وبالنهاية الرقص شيء مهم واستثنائي يهبني السعادة المطلقة والفرح، لربما هو خلاص أيضاً.

 نص وحوار : وفائي ليلا 

روابط ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.