محاولات أولى في وصف مالمو

يُعتبرُ اسمُ مالمو مألوفًا لدى الأذن العربية، كونها أول مدينة سويديةٍ من الجهة الجنوبية، أي أنها المحطة الأولى التي سيراها المُهاجرونَ القادمون برًا إلى «أرض الأحلام» السويدية.

محاولات أولى في وصف مالمو

عشرون دقيقةً، أو ما يزيدُ قليلًا، هي المدة الزمنيةُ التي تفصلُ الشخص القادم من العاصمة الدانماركية كوبنهاغن، نحو السويد. سوفَ يقطعُ المسافرُ الزائرُ، أو المهاجرُ، تلكَ المسافةَ القصيرة التي تفصلُ بين الدولتين، عبرَ جسرِ الأوريسوند الذي شُيّدَ في العام ألفين على مضيق أوريسوند الرّابط بحرَ الشمالِ ببحرِ البلطيق، ليربطَ الجسرُ بدورِهِ بينَ العاصمة الدانماركية من جهة، ومدينة مالمو، على الطرف السويديّ المقابل.

يُعتبرُ اسمُ مالمو مألوفًا لدى الأذن العربية، كونها أول مدينة سويديةٍ من الجهة الجنوبية، أي أنها المحطة الأولى التي سيراها المُهاجرونَ القادمون برًا إلى «أرض الأحلام» السويدية، بعد أن فرضت عليهم أنظمتهم ونزاعات دولهم، أن يفرّوا من بلادهم بحثًا عن الأمان، وعن سبلٍ لتحسين الحال.

وعلى الرّغمِ من أنّ المهاجرينَ عمومًا يرتبطون عاطفيًا بأولِ مكانٍ استضافَ هجراتهم، إلا أن مالمو (التي كان اسمُها قديمًا مالمهوغ: كومة الحصى) تظلّ تُراودُ معظم الوافدين إلى بقيّة المدن السويدية الممتدة حتى أقاصي الشمال، نظرًا لمناخها المعتدل قياسًا ببقية مدن المملكة، ولكثرةِ أقرانهم من المهاجرين، الذين كما تقول الإحصائياتُ إنّ جيلهم الثاني يُشكّلُ ما يفوقُ الـ 39% من سكّانِ المدينة.

يعيش هنا بشر يحملون أكثر من ثمانين جنسية، ليشكّلوا مع السكّانِ الأصليين والمُجنّسين نسيجًا غير متجانس، ولا يبحث عن التجانس أصلًا. حتى تكادُ الدوائر الحكومية السويدية تكون الرابط الوحيد بين الناس، علمًا أنّ قسمًا من الذين يعيشون هنا لا رابط بينهم وبين دوائر الدولة أصلًا.

مدينة اللغات مالمو مثيرة فعلًا، هنا تتفشّى الروسيةُ في الآذان، تبدو حاضرةً بفاعلية في الشارع المالموي من خلال جنسيات مختلفة ولغاتٍ مختلفة، تبدو جميعها ناطقة بالروسية، وإن انتمت غالبًا إلى الدول التي احتُلّت من قبل الروس أنفسهم. أوكرانيون، بولنديون، صربيون، بوسنيون وكروات، جنسيات كثيرة، ولغات كثيرة، لكنّ صوائتها في الشارع تبدو روسيةً لنا. اللاتين حاضرون أيضًا، رغم أن حضورهم في الشارع ليس فارقًا كحاله في ستوكهولم مثلًا. الإيرانيون كذلك، ذوو أثرٍ واضح من خلال مطاعمهم ومحلات تسوقهم. مالمو تحمل صراعًا مهاجرًا مرعباً. ثمة صراع قد يصل إلى التصفية الجسدية بين جالياتها المهاجرة، على زعامة المدينة التي بدأت تتشكل فيها ملامح كتلة مشرقية قد يحسنُ استثمارُها، والاستثمارُ فيها، فيما لو انتبهَ إليها أصحاب الأفكار والمشاريع. الاقتصاد العربيّ بشكل خاص، والمشرقي عمومًا قويّ جدًا في مالمو، قد يفوق أي اقتصاد آخر. يحاولُ السويديونَ فرض نفوذهم في مناطق معيّنة، يقتربون أكثر من مركز المدينة ومحطة القطارات، ويغادرُ قسمٌ منهم سنوياً ليعيش في الأرياف، لشعورٍ يُشبهُ شعور أيّ كتلٍ بشريّةٍ كتيمةٍ منغلقة، وخائفة، وغير راغبةٍ بالتبادل الثقافي. ولكنّ هذا المركز ليس بحيوية المناطق الداخلية في المدينة الكبيرة، الصغيرة. سوق الخضار الشرق أوسطي صار علامةً فارقةً في ساحة (مولِّيفونس توريِت)، مطاعم الوجبات السريعة العربية تفرض سطوتها على كل ما هو قرين من أي قارةٍ كان، لا ماكدونالدز ولا سواه!

يحسب المرء أنه خبر هذه النوعية من التركيبة الاجتماعية الناظمة لسلوك المدينة. لكنّ مفاجأتهُ تتمثّلُ في أن يعايشَ كلّ هذا في السويد! ولأن الحياة في مدينةٍ حية ليست آمنةً تمامًا، تأخذُ مالمو سمعتَها في كلّ الأوساط السويدية بأنها مدينة محفوفة بالمخاطر، تكثر فيها الجريمة، ويغضّ بوليسها، السري والعلني، النظرَ عن موبقاتٍ أخرى مثل تجارة الحشيش والماريوانا، والعمل بالسوق السوداء وتحريكِ عملتِها، السوداء أيضًا. فالمدينة مفتوحة للمعارك الاقتصادية الشرسة، ومن أراد أن يجرّبَ حظّهُ ويحتمل عواقب اللعب مع أسماك القرش، فليجرّب. تستمتعُ «كومةُ الحصى» بالمشهد، تحبُّ تشجيع الراغبين في التنافس عليها، لسرقتِها أو لتدجينِها، لا فرق. وهي تستمتعُ أيضاً باحتضانها المعارك غيرِ النزيهة أو الأخلاقية، ما يمنحها مرونةً كبيرةً في التعاطي مع النظام السويديّ الصارم، بما يتكفلُ ببقاء هامشٍ حريّاتيّ معقول.

هذه الكتل المتناطحة، تزداد يومًا بعد يوم، مع كلّ حربٍ لا يسعى العالمُ إلى إيقافها تقريبًا. وهذا من حسن حظ المُدنِ أكثر من ساكنيها الجدد. لأنهم يمنحونها جذوة حيويّتهم، ليأخذوا منها نزرًا يسيرًا من النظام الضريبي الخانق. فتعتدلُ المُدن ويفنى بناةُ اعتدالها. وإذا أردنا فتح العدسة لتتسع الرؤية، فإننا في المحصلة نرى كفاحًا محليًا من أجلِ إثباتِ الوجودِ مع الكتل المهاجرة. تنافسيةٌ محمودةٌ، رغم أن أناسًا عاديين من الطرفين، لا معارك تعنيهم، يدفعون دائمًا ضريبة هذه الحيوّية، ولا يستمتعون بها غالبًا.

هنا ظهر لاعب الكرة الأسطوريّ زلاتان إبراهيموڤيتش، وانطلق ليصبح واحدًا من أعظم الشخصيات في تاريخ هذه البلاد. الشاب الذي انتمى لإسرةٍ مهاجرةٍ بفعل الحرب، وبدأ حياته بسرقة الدراجات الهوائية، استقرّت مكانته في نفوس سكان البلاد، أصليين ووافدين، قدامى وجددًا. فالسويديون الأصليون يدركون جيدًا أن بلادهم لم تنجب شخصيةً رفعت اسمها مثل زلاتان، مع التقدير لكل العباقرة الذين أنجبتهم. أما المهاجرون، فيمثل «السلطان» شوكتهم الدائمة في حلق الرجل الأبيض!

النص بقلم تمّام هنيدي
روابط ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.