الفنان السويدي كارل هيل .. أمير الهمس

ولد هيل لأب متسلط ومستبد وهو استاذ الرياضيات الصارم ، مسقط رأسه كان في ” لوند “جنوب السويد ، وكما هو متوقع وقف والده ضد طموحه الفني والذي درسه أكاديمياً في استوكهولم .

الفنان السويدي كارل هيل .. أمير الهمس

بوصفه الفنان الإشكالي ذو المصير المأسوي والحياة الصعبة المتقلبة ، ذاك الذي تراوح هذيانه وتجلياته الفنية ما بين جنون العظمة والشعور الهائل والعنيف بالدونية كمصاب “ببارانويا ” حادة رافقته كل حياته حيث يبحث عن الاعتراف الذي لم يحظى به أبداً ، أو يستطيع انتزاعه . كل ذاك الإخفاق الذي ألهمه .

رسم عدة لوحات يومياً محاولاً فيها أن يجرب أكثر من تقنية في الرسم وليعكس من خلالها حالته المضطربة التي عصفت بها ظروف حياته من لحظة وقوف والده كعامل حاسم ضد ما يرغبه ، وربما ماهو خاص به ويمثله ، إلى لحظة احتجازه في الاستديو الذي كان سجنه الأخير .

 

كارل هيل ذاك الشاب الذي قذفت  به طموحاته بعيداً ليتغلب حتى على نفسه كما كتب مرة في مذكراته حيث أنه “لم يهادنها ، ولم يتسامح معها أو يمنح نفسه فرصة للسلام”  

بعد أن رفضت كل أعماله في صالونات باريس التي انتقل إليها وهاجمه اثر ذلك ذهان حاد ابتدأ في عمر الثامنة  والعشرين ورافقه إلى نهاية حياته . إنه شعور العظمة والإضطهاد وهو كل ما تبقى لهذا الفنان لقضاء ما تبقى من حياته بين فكي هذا الألم الرهيب والنهاية القاسية .

ولد هيل لأب متسلط ومستبد وهو استاذ الرياضيات الصارم ، مسقط رأسه كان في ” لوند “جنوب السويد ، وكما هو متوقع وقف والده ضد طموحه الفني والذي درسه أكاديمياً في استوكهولم . ذهب إلى فرنسا عام 1874م وتأثر بالفنانين المقيمين هناك كما كل من درس في تلك الحقبة من الفنانين السويديين . كان هيل يرى أن وظيفة الفن الأسمى هي الحقيقة ولا شيء سواها ، رسم هواجسه وآلامه ولحظات هذيانه واضطرابه ذاك ، استلهم ذاكرته وبواسطة الفن والرسم حاول فهم المحيط الذي وجد نفسه مُلقىً به ووحيد . وبالرسم أيضا حارب قوى الشر التي لطالما اعتقد أنها تلاحقه . أضاء العالم ” بشجرة تفاحه ” . تلك اللوحة الشهيرة له ، والتي بدت كما لو أنها شعلة من ضوء ، ورغم تردد صوته الحزين والواهي عبر لوحات أخرى هي قمة في التشاؤم والتي من أهمها لوحة المقبرة التي نفذها في العام 1877م والموجودة الان في منتحف مالمو ، ذات العام الذي شهد بداية انهياره بعد حالة متوترة وافكاره التي تتردد ما بين الشعور بالعظمة والسقوط عميقا في اليأس واللاجدوى . وحيث فقد الاتصال بالعالم الخارجي ومع أصدقائه الذي صار تواصله معهم يقل ويقل كما روى في رسائل عيد الميلاد الموجهة لأسرته .

” أمير الهمس” ذاك ، كما وصفه “غونار إكيلوف”  في قصيدة مهداة له كان قد أنهكته الحياة باكراً والتجاهل وعدم الاعتراف به وبفنه وموهبته وبشخصه وربما بميوله كل ذلك شكل عاملاً ضاغطاً وعنيفاً ساهم في بناء شخصية هذا الفنان الرائع وبجنون تجلى ذلك في محاولاته ومستخدماً كل التقنيات المتاحة وأقلام التلوين ، والرصاص ، والحبر ، والألوان المائية ،والفضية والذهبية .  كثير من لوحات هيل ذهبت إلى نهاياتها وربما أحرقت أو اختفت وبقي مما رسم حوالي الثلاثة آلاف وخمسمائة لوحة موجودة بمعظمها في متحف مالمو . تأخر الإعتراف بهذا الفنان حتى عام 1920م بعد مئة سنة من ولادته حيث عرضت لوحاته في أوروبا من جديد في كبريات العواصم المهمة والمهتمة بالفن . وصار ملهماً لكثير من الفنانين

Carl Fredrik Hill: Blommande äppelträd.
NM 1864

 

كان اليأس واللاجدوى هو رفيقه الدائم ، ثمة في حياته الكثير من الغموض والتضبيب إذ احتجزته أسرته (تقريباً )  في مكتب والده وفقد اتصاله بالعالم الخارجي وأغلق الى الأبد باب الاستديو عليه ، كان يعيش عزلة كئيبة وكلية فصلته عن العالم أدت الى سلسلة انهيارات تحولت إلى لوحات تهويمية لربما غير متقنة حيث الوحدة والحنين والإشتهاءات التي لم يتسنى لها أن تكون ، فصامه أنهكه والتهاب رئوي حاد كان كفيل بإنهاء حياته .

 

 

رسم هيل الأنهار والأشجار المزهرة المتوهجة بالوحدة والحنين ، ورصد الضوء القوي وعلى الضد من الألوان المعتمة المحيطة  . وعبر تكاثف لطبقات اللون بعضها فوق بعض . بحث عن المناظر الطبيعية في الهواء الطلق قرب باريس ونهر السين تحديداً كما أجرى سلسلة من الدراسات الأثرية من المحاجر المجاورة لمنطقة ” واز ” في محاولة منه لابتكار واقعية جديدة . كان للوحاته علاج وظيفي بالنسبة له ، وكل رسوماته الغريبة هي تلك التي تنبأت بولادة تيارات فنية جديدة لاحقاً في أوروبا مثل التعبيرية والسوريالية . تحولت لوحاته الى شيفرات كان ينجزها أثناء نوبات بكاء ليلي هستيري مرير وللرد على الأصوات الداخلية فيه التي قوضت تركيزه والذي شخصه الأطباء وقتها أنه “ذهان فصامي”  

أضفى هيل على لوحاته المتوهجة بحزن رومانسي ضوء الخريف في المناظر الطبيعية التي رسمها ، وتوهج زهر التفاح مثل دهشة لا تكف . أسس لبدايات المدارس السريالية والتعبيرية وكما كل المبدعين لم يُعترف به ولا بفنه إلا بعد أن غادر دون عودة كان ضوءً خافتاً لمع واختفى في الوهج .

 

النص للشاعر والكاتب الصحفي : وفائي ليلا
روابط ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.