المعهد الثقافي العربي: مبادرة تستحق التفكير

لعل أول ما قد يدور في ذِهننا عِندَ سَماعِنا لِكلمات كالجمعية العربية أو المركز الثقافي أمور كثيرة كالرقص الشرقي والمأكولات الشهية والأغاني العربية

لعل أول ما قد يدور في ذِهننا عِندَ سَماعِنا لِكلمات كالجمعية العربية أو المركز الثقافي أمور كثيرة كالرقص الشرقي والمأكولات الشهية والأغاني العربية، خصوصاً هنا في أقصى شمال الأرض. كيف لا وهذا هو واقع الحال لمعظم الجمعيات العربية التي تعمل في مجال الثقافة والاندماج.
في الماضي كان لي العديد من النشاطات الثقافية مع عدد من الجمعيات العربية التي تعمل في مجال الاندماج في مدينة مالمو وأجزاء أخرى من المملكة. نشاطات عديدة ومتنوعة، تحمل أسماءً رنانة صارخة باسم العربية والثقافة. بل حتى أن بعضهم نادى باسم إنقاذ الثقافة في المهجر وبعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، وهنالك من طالب بالحصول على لقب حامي وناشر الثقافة العربية في السويد. لكن إن توقفنا وأمعنا التفكير قليلاً وتتبعنا برامج الجمعيات التي أتكلم عنها سوف نجد تشابهاً كبيراً من حيث المادة المقدمة للمتلقي، سواء كان المتلقي عربياً أو سويدياَ، وسوف نجد نشاطات متشابهة في صلب برنامج معظم الجمعيات العربية في السويد وخصوصاً في مدينة مالمو، والتي عادة ما تأخذ الشكل التالي:
–  في بداية أي نشاط سوف يلقي رئيس المركز أو الجمعية محاضرة عنه وعن معانة عائلته في الاندماج والتغلب على جميع الصعاب في هذا البلد البارد.
– الفقرة الثانية سوف تكون لفرقة دبكة أو رقص شرقي لتحميس الجمهور وتهيئه للفقرة الثالثة
– أما الثالثة فهي مشاهدة فلم ما عن موضوع ما قد يكون في معظم الأحيان لا يمت للواقع والثقافة العربية بصلة
لتأتي الفقرة الرابعة وهي البوفيه المفتوح حيث سوف يهجم رئيس الجمعية قبل المدعوين ، وأتمنى أن لا تسيئوا فهمي، سوف يهجم أو تهجم الى افتتاح البوفيه المدفوع من قبل بلدية مالمو وهنا سوف تبدأ محاضرة التعريف بثقافتنا: “سيداتي وسادتي المحترمين بإسمي وأسم المركز أود أن أشكركم على تلبية الدعوة التي تعد شرف لنا ولكل الجالية العربية في السويد: الفول معد على الطريقة السورية التي تشتهر بها الحارة القديمة باب ساروجا، الكباب معد على الطريقة العراقية الخاصة بأهل مدينة بغداد، المُقَبِلات مُعدة على الطريقة المغاربية الخاصة بشمال المغرب وعلينا أن لا ننسى شُكِر كُل مَن سَاهَمَ في إِعداد هذا الليلة الرائعة. سُعِدنا بِقُدومِكُم ولا تنسوا القدوم مرة أخرى، قُدومُكم دعم لنا وسِر استمرارنا وكفاحنا في نشر الثقافة العربية في السويد”.

أعتذر على هذه المقدمة الطويلة ولكن لا أعتذر عن جرح مشاعر أي أحد قد يشعر ولو قليلاً بأن جمعيته أو مركزه الثقافي هو المقصود. قبل البدء بالتحدث عن موضوع المعهد العربي الجديد، أود أن أهنئ المراكزالقليلة في أوروبا والسويد التي تعمل بحق في نشر وتوعية المجتمع الغربي والعربي وتعريفه بثقافتنا العربية بعيداً عن الطعام والرقص والدين طبعاً. تلك الجمعيات التي تنشر الثقافة من منظور علمي مُمُنهج ومدروس وهادف.

عماد التميمي صاحب فكرة المعهد الثقافي العربي.
عندما اِتصل بي عِماد وأخبرني عن فِكرَتِه في تأسيس معهد ثقافي عَربي تبادر في ذهني للوهلة الأولى بعض مما ذكرت سابقاً. لكن سرعان ما تلاشت تلك التخيلات عندما قابلت عماد وتحدثت معه عن الفكرة.
لقد بدء عماد منذ سنتين بالتفكير بتأسيس معهد ثقافي يساهم في نشر الثقافة العربية عن طريق نشرها وليس إعطائها. واليوم وأنتم تقرؤون هذه السطور يكون عماد قد بدأ بتنفيذ الفكرة وجعلها حقيقة……
يؤمن عماد بأن الراغبين في زيادة المعرفة والعلم عن الثقافة العربية عليهم ممارستها وليس فقط التفرج عليها. كيف ذلك؟ وكيف يُمكِنُنا تَغيير نَشِر آلية الثقافة؟ هنا يأتي سِر المعهد الثقافي العربي الجديد. و إليكم بعض ما دار خلال المقابلة:
هل يمكنك إخبارنا عن المشروع الحالي الذي بدأت بتنفيذهِ؟
“المعهد الثقافي العربي
هو مشروع جاد وهادف لنشر الثقافة العربية للراغبين بالتعرف عليها بشكل مختلف يليق بها. المعهد يوفر دورات تعليمية بالثقافة العربية. دورات مختلفة في اللغة العربية لجميع المستويات والأعمار، كما سوف يقدم المعهد دورات واسعة وشاملة للعديد من الآلات الموسيقية الشرقية مثل العود، الكمنجة، الغيتار والبيانو على الطريقة العربية ايضاً. يوجد أيضاَ قسم خاص سوف يعلم الرقص الشرقي والدبكة بجميع أنواعها وبلدانها. الدورات سوف تكون مدفوعة وليست مجانيةِ ولكن سوف تكون بأسعار رمزية تناسب الجميع. المعهد يضم كادر تعليمي ذو خبرة طويلة و من بلدان عربية مختلفة.

لماذا تعتقد بأن المعهد سوف يقدم الثقافة العربية بِشَكِل مُخَتلف عن باقي الجَمعيات العَربية في السويد وأوروبا؟
“بكل تأكيد المعهد الثقافي العربي في مدينة مالمو سوف يكون مختلف، فنحن سوف نمكن الراغب بتعلم الثقافة واختبارها بالإضافة الى إعطائه المواد اللازمة التي سوف تمكنه من البحث عن الثقافة بنفسه. في البداية يجب علينا البدء برؤية المعهد، الذي تتمحور حول طرح جديد للثقافة العربية بمستوى يليق بها. المعهد الثقافي العربي هو صرح أكاديمي بَحت يسمح للراغبين بالتَعَرُف أكثر على الثقافة العربية من خلال دورات تعليمية، سوف تساهم في تَمكِين الشَخص الراغِب في التعرف على الثَقافة العربية بالبحث عنها بنفسه في مرحلة ما من حياته. مثال: عندما نقوم بتدريس العربية أو العزف على العود سوف يتمكن الفرد في المستقبل بالتفاعل مع المجتمع وليس فقط النظر إليه. المراكز العربية الأخرى تعتمد أسلوب إلقاء وليس الإعطاء. المتلقي الذي يتمكن من مشاهدة الثقافة وليس التفاعل معها. وهذا ما سوف يجعلنا مختلفين عن باقي المراكز والجمعيات. بعبارة أخرى الراغب في التعرف على الثقافة العربية سوف يتمكن من تعلمها وتجريبها والتفاعل معها.
بانتظار الاختلاف والإبداع في آلية طرح الثقافة العربية بشكل جدّي بين أبناء متحدثي لغتها هنا في الشمال البارد تركنا عماد، ونحن على الوعد في أن يصدق صاحب القول في قوله، وأن يبرهن لنا عن جدية هذا المعهد وأهدافه في نشر الثقافة العربية، وأن ما سبق من حديث هو قولٌ سيقترن بالكثير من الأفعال .
كما لا يسعنا إلى أن نقدم الشكر كل الشكر لأولئك الذين يساهمون ويسعون جادّين إلى نشر الثقافة العربية في المهجر بجميع أشكالها وألوانها من فنانين وشعراء وأكاديميين وأساتذة، ولكل شخص يقوم بعمل أي شيء مهما كان صغيراً بعيداً عن المنفعة الشخصية أو الأسرية، خصوصاً في هذا الوقت العصيب التي يشهده العالم.

الكاتب: قتادة يونس

روابط ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.