الفنان سعد حاجو

هناك تراجع لدور الكاريكاتير في الصحف السويدية ، الحاجة ماسة لتفعيل دوره.

الفنان سعد حاجو: هناك تراجع لدور الكاريكاتير في الصحف السويدية ، الحاجة ماسة لتفعيل دوره.

نشأ الفنان سعد حاجو ببيئة معرفية أفرادها مكتنزون بمعرفة معمقة عارفين بمسالكها الوعرة ومحيطين بمداخلها ومخارجها ، كيف لنشأة كهذه أن تدفع أحداً غيره إلى الوثوق ثقة مفرطة بإمكانيات الريشة والقلم ، واعتناق مسلكية فنيّة مبكرة كمن يعتنق الفن مهنة . ولكن وبفعل فرادةٍ فيه مابرحت تُميّزه عمل هو باختيار معاكس تماماً ، فراح يُرجئ موعد ظهوره إلى النور ، وقبل ظلام البدايات وأطال منه وابتنى فيه نفقه الخاص وشاء أن تكون بداياته عبوراً طويلاً للعالم . آخرُ عبور له كان في مكان إقامته بمدينة نورشوبينغ السويدية التي منحته جائزة EWK  كأفضل رسام كاريكاتير سياسي ساخر لعام  2015 عن مجمل أعماله ، هناك في تلك المدينة كان لجريدة نبض الأوريسند اللقاء التالي مع الفنان ورسام الكاريكاتور السوري المُبدع سعد حاجو:

• ماذا تحدثنا عن آخر عبور ” كما اتفقنا على تسميته “في السويد وجائزة EWK كأفضل رسام كاريكاتور سياسي ساخرلعام 2015 ؟

جائزة EWK  التي تحمل اسم رسام الكاريكاتير السويدي Ewert Karlsson المتوفى عام 2004 هي عبارة عن جائزة سنوية ، تقوم عليها لجنة مكونة من مجموعة من المختصين بالمجال الفني والإعلامي بالتعاون مع جريدة DA ( Dagens Arbete)  ، يقومون بمتابعة رسامي الكاريكاتير في السويد وتقييم أعمالهم بشكل كامل  وبناءً عليه يتم الاختيار . المثير في الأمر أنني كنت أول فنان ليس اسكندنافي الأصل يُمنح الجائزة ومن هنا تأتي أهمية الجائزة بالنسبة لي أنه خلال عشر سنوات استطعت الحصول على هكذا جائزة دون تخطيط مسبق ، كما أنه أفضل مؤشر للانتماء للمكان أن يأتيك التكريم والاحتفاء دون أن تسعى وراءه ،  وقد تم منحي الجائزة لعدة أسباب منها : الجرأة في الطرح والدفاع عن حرية الشعوب وتسليط الضوء على قضاياهم ، إضافة إلى تعريف القارئ السويدي بالكاريكاتير العربي سواء من خلال الرسومات التي تم نشرها في وسائل الإعلام السويدية او من خلال المعارض التي قمت بتنظيمها في السويد .  استلام الجائزة كان في متحف العمل بمدينة نورشوبينغ السويدية  10 نوفمبر الماضي وقد اضطر المنظمون لنقل مكان الاحتفال إلى قاعة أكبر بسبب توافد قرابة 250 شخص للحفل ، وأثناء استلامي للجائزة قمت بقراءة قصيدة شعرية باللغة السويدية لحامل اسم الجائزة بعنوان Bläckets skiftningar ” ظلال الحبر “.

• يقول ميشيل فوكو: ” السلطة في كل مكان ” كيف تجاوز سعد دور السلطة بمعناها الشمولي وليس الرقابي فقط مع بداية عمله بالكاريكاتير ؟ وكيف تحدد نقطة البداية ؟ وماهي البدايات التي تستحق أن ننصت لها ؟

انطلاقاً من مبدأ أن الصحافة هي السلطة الرابعة فيجب أن تبتعد عن السلطات الأخرى كي لاتخضع لسلطة ما ، لهذا اقتربت من الصحافة وعملت بها ، ولكن بما أن فشل الصحافة دائماً ما يُقاس بمدى اقترابها من السلطات الأخرى ( المال السياسي – الطائفي … ) فقد كانت هذه من أسباب تنقلي بين العديد من الصحف العربية . بداياتي كانت مبكرة في السادسة عشرة من العمر ،  حيث نشرت أول عمل في مجلة ” الوطن ” 1984 صدر منها عددان ثم توقفت عن النشر في بيروت والتي كان رئيس تحريرها  الشاعر الراحل  “أحمد فؤاد نجم ” ،  ومن ثم في مجلة ” الحرية ” التابعة للجبهة الديمقراطية  الفلسطينية 1986 وبعد التخرج من الجامعة بدأت النشر مع الملحق الأسبوعي لجريدة النهار اللبنانية 1993 ومن ثم انتقلت إلى السفير اليومي 1995 حيث قمت بالنشر لمدة 20 سنة متتالية بشكل يومي.

• تعتمد في تقديم فكرك عن طريق الكاريكاتير إلى استخدام تكنيكات مختلفة كاعتماد الأبيض والأسود مرةً والألوان مرةً أخرى ؟ هل هذا الخط الذي تنتهجه لجهة التأصيل لمشروعك الخاص ؟ أم أنه تضييع لدم المشروع بين مدارس الرسم المختلفة ؟

في فترة ما كان الأمر بحث عن الهوية الشخصية ، بدأت بعدها أتصرف حسب الشروط المتاحة والجو العام وأصبحت مجريات الواقع ومايدور في المجتمع من حولي لاعباً أساسياً يدخل حكماً في آلية العمل ، وبما أن مفهوم السخرية يعتمد على مبدأ الكسر فلم أتبنى مقولةً ثابتةً أطبقها على أي شيء ، ودائماً ماكنت أسعى إلى الذهاب عكس مقولة “الحذر من ثبات مايجب تغييره “.

الأولوية فيما أقدمه هي للحالة البصرية وعلاقتها بالفكرة التي يتم تناولها والتي غالباً ماتحدد الشكل الذي سيخرج به العمل الفني . أحياناً أحاول أن أؤكد على البديهيات في طرح الفكرة ومحاولة الابتعاد عن الانفعال كرد فعل مباشر،من خلال التحليل الكامل للفكرة نفسها وعدم الاكتفاء بالفهم فقط . أحب صنع الضحكة بمعزل عن التكثيف البصري لأن السخرية هي أساس الكاريكاتير وشرط أساسي لنجاح العمل ، كما يستهويني الذهاب نحو النصوص المكرّسة غير المقصودة والتي أصبحت جزءاً من الوعي الاجتماعي كالرموز الكاريكاتيرية التي أنتجها الربيع العربي والتي غدت جزءاً من الوعي الشعبوي.

• هل تجد نفسك مكانك كما تريد أم أن هنالك أمكنة أخرى وددت الرحيل إليها والمكوث فيها أو العودة منها سواء ( أزمنة – صحف – مواقع ) ؟

في الواقع وبعد العمل المتواصل لمدة تزيد عن عشرين سنة بشكل متواصل ومنتظم ، والنشر اليومي في الصحف والمواقع سواء العربية أو الغربية ، فقد استطعت مؤخراً أن أحُدّ من طاقاتي وأن أحاول توجيه الدّفة نحو أهداف أخرى .    أغلب الأماكن التي عملت فيها سابقاً كانت بناءً على طلب أصحابها، ولكن بالتأكيد هناك أماكن لم أطرقها بعد ، وقد قمت بعملية جس نبض لها وأعتقد أني سأذهب إليها قريباً بناءً على رغبة مني . أطمح إلى أن أنشر في السويد في الصحف واسعة الانتشار وهذا ماتحقق مؤخراً مع صحيفة Folkbladet وأرى أن هذا الأمر من واجبي ومن حقي ، كما أسعى إلى ترك علامة في الأدب السويدي وهذا ماشرعت به مؤخراً حيث قمت بكتابة بعض القصائد باللغة السويدية وأسعى للاستمرار في هذا الأمر.

• في خضم الحديث عن أحوال التأثر والتأثير ماهي الأسماء التي تطفو على سطح الذاكرة الإبداعية لسعد حاجو من الفنانين الذين تأثّر بهم في مسيرته الفنية ؟

التأثر كان بأغلب المؤسسين والمشتغلين بهذا الفن في الشرق الأوسط ، ولكن نوع السخرية الخاص بي والذي لفت انتباهي واستهواني مُذ كنت طالباً في الثانوية كان ذلك الذي يُتقنه الأساتذة ( ممتاز البحرة – جورج بهجوري ) ، وفيما بعد لفت انتباهي كيفية وصول ناجي العلي بالكاريكاتير إلى حالته التراجيدية والرؤية الخاصة التي امتلكها الأخير بعيداً عن العرف السائد في فن الكاريكاتير آنذاك . من الرسامين الأجانب تعجبني أعمال الرسامين الفرنسيين (سام بيه و أندريه فرانسوا) وصديقي الرسام البولندي (بافل كوزنسكي)  ، كما تروق لي كثيراً الطريقة التي يرسم بها الفنانون الرومان.

• كيف يبرز وجه تفاعل السويديين مع لوحاتك كنموذج وأنت المهاجر الذي لم يلبث عشر سنوات بينهم ؟ وهل استطعت تحقيق شروط الحرية السويدية على اعتبار أن لكل حرية سقف محدد أم تجاوزتها ؟

بما أن السويد مجتمع محافظ ويحتاج الأمر فترة من الزمن لتقبل العناصر الجديدة التي تدخل في تكوينه على عكس المجتمع الفرنسي مثلاً  الذي يعتبر أكثر انفتاحاً ، لذلك كانت دائرة الاهتمام بما أنتجه من فن تحكمها العلاقات الاجتماعية التي تم تكوينها بشكل مقصود بفعل تراكم الزمن،ومحاولة التواجد الدائم داخل المشهد الفني. بالنسبة للحرية فلا شرط لها فهي هوية إنسانية وجزء من المفهوم الإنساني ، والحرية تَضعُ شروطاً لاستعادتها وليس العكس ، لذلك لايمكنك فرض شروط للوصول إليها أو تحقيقها، ولكن بالنسبة للسويد فإن مروحة العدالة الاجتماعية لاتقارن مع البلدان التي عشت فيها سابقاً والتي يحكمها التواطؤ الطائفي أو السياسي والذي كان ينظم مروحة العدالة هناك ، وهذا مالم أجده في السويد.

كيف تنظر إلى الحركة الفنية في السويد ؟ هل هي نوع من التكريس أو التكريم أم أنها شكل من أشكال التقاعد ؟

الحركة الفنية متراجعة جداً لابل إن الوضع يكاد يكون مُزري بسبب تراجع دور الكاريكاتير في الصحف ، حيث أنك تشعر بالصدمة عند معرفتك بأنه في بلد بحجم السويد والحالة الديمقراطية التي تحكم مفاصله لايوجد أي رسام كاريكاتير موظف في الصحف والمجلات ، وهذا مؤشر خطر لأن الواضح أن هذا التراث في طريقه للتحييد . الغريب في الأمر أيضاً أن غياب الكاريكاتير جاء في ظلّ التغيير الأساسي الذي يعيشه المجتمع سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي والانفتاح العالمي الذي يصاحب مسألة اللجوء والهجرة ، وهذا مايؤدي إلى نقل التقاتل بين اليسار واليمين إلى عنف مباشر ، فالكاريكاتير أحد الوسائل التي تخفف من حالة التقاتل والاحتقان وغيابه له علاقة بمالكي وسائل الإعلام ، ولكننا – رسامي الكاريكاتير – نحاول تغيير هذه المعادلة وسننجح قريباً في تحقيق ذلك.

سعد حاجو رسام كاريكاتير سوري مواليد دمشق 1968، يحمل الجنسية السويدية ويقيم في مدينة نورشوبينغ السويدية، تخرّج من كلية الفنون الجميلة في دمشق العام 1989 (قسم التصوير الزيتي).
في عام 1993 بدأ ممارسة مهنة الكاريكاتير في الملحق الثقافي لجريدة “النهار” اللبنانية، ثم انتقل بعدها في العام 1995 إلى جريدة “السفير” ونشر فيها بشكل يومي حتى العام الماضي، كما يشغل حالياً مسؤول قسم الكاريكاتير في موقع (24) الإماراتي وينشر في صحيفة “صدى الشام” السورية الثورية، فضلاً عن نشره في الصحف السويدية حيث نشر في صحيفة Dagens Arbeteعام 2014 -2015 وصحيفة Folkbladet التي نشر فيها عام 2010 وعاد للنشر فيها ابتداءً من شهر أيار /مايو الحالي 2016 .
يُعد حاجومن أهم رسامي الكاريكاتير العرب والسويديين ، وقد أقام العديد من المعارض الدولية والفردية داخل السويد وخارجها ،كان من أهمها : معرض “ما لاتستطيعه الطبيعة ” في صالة كاميليونت بنورشوبينغ والذي تضمن أيضاً قصائد شعرية باللغة السويدية من كتابته ، ومعرض الضحكة النواس Pandelskratt مع الرسام البولندي بافل كوزنسكي الذي أقيم في مدينة نورشوبينغ ومدينة أبو ظبي في فترات مختلفة ، ومعرض “الرحلة المستحيلة” الذي أقيم الشهرالماضي في مدينة يافلة وكان قد أقيم سابقاً في دائرة الأرصاد الجوية في نورشوبينغ SMHI ، والذي عرض فيه سعد رحلته من دمشق إلى السويد مصحوباً بنص مكتوب تمت ترجمته للسويدية والإنكليزية ووضع نسخة منه في جامعة كامبريدج اللندنية
شارك سعد في العديد من النشاطات الفنية حيث كان عضو لجان تحكيم كاريكاتير عربية ودولية منها: مُسابقة الكاريكاتور الدولية أيدن دوغان التركية 2004 والمُسابقة العربية الأولى للكاريكاتوريين الشباب في تونس 2005, كما أشرف على تنظيم معرض الكاريكاتور العربي في معرض فرنكفورت للكتاب 2004 ، وهو متزوج من رسامة الكاريكاتير والتشكيلية السورية سحر برهان.

اسم الكاتب: Mohammad Ali Taha & Abed Alhaj

روابط ذات صلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.